دور الام في التعليم بالعمل والقدوه

0shutterstock_34647637

دور الام في التعليم بالعمل والقدوه

بقلم عزة حسن ، كاتبة
أولياء الأمور والأبناء والتربية
من منا لا يريد أن يرى أبناءه في أفضل حال؟ كل منا يسعى إلى أن يربي أبناءه بطريقة تتيح لهم أن يعتمدوا على أنفسهم في المستقبل، وبما يصب في صالحهم. والطريقة، التي نريد بها تربية أبنائنا تعتمد في عدد غير قليل من الحالات على الخبرات، التي تكونت لدينا عندما كنا نحن أطفالاً. هذا بالإضافة إلى أننا نرغب بالطبع في أن يستفيد أبناؤنا من طرق التربية الحديثة. وفي الحياة اليومية تختلط خبراتنا من عهد طفولتنا بالمعايير التربوية الحديثة، ونجد أنفسنا في مواجهة متطلبات كبيرة يصعب علينا تحقيقها. إلا أن الآباء والأمهات بإمكانهم أن يسهِلوا على أنفسهم مهمة تربية أبنائهم ومساعدتهم لكي يصبحوا أشخاصاً محترمين في المجتمع. وهناك وسيلة تُعين أولياء الأمور على بلوغ هذا الهدف، وهي أن يعيشوا بالأسلوب، الذي يتمنون أن يسير أبناؤهم عليه، وأن يكونوا قدوة لهم.

ولكن هل يستطيع الآباء والأمهات أن يكونوا وحدهم قدوة لأبنائهم في عصر السرعة الرقمي؟ وهل للأبناء تصورات مختلفة عما يجب أن يُحتذى به وما لا يليق به أن يكون قدوة؟ وهل بإمكان أولياء الأمور الصمود ومنافسة النماذج، التي يراها الأبناء خارج المنزل ويتخذونها قدوة لأنفسهم ويجعلون منها مثلاً عُليا يرغبون في الاحتذاء بها؟ إنها أسئلة كثيرة نطرحها على أنفسنا. والمؤكد هو أن النشء والشباب بحاجة إلى قدوات يحتذون بها، لأنهم يتعلمون عبر تأثير القدوة أموراً أساسية جداً تُفيدهم في حياتهم.

أهمية التحلي بصفات القدوة كوسيلة للتربية!
ماذا نتمنى لأبنائنا ولمستقبلهم؟ هناك عدد من الأهداف التربوية يرغب معظم أولياء الأمور في تحقيقها. ووفقاً لدراسة أجراها معهد ألينسباخ الألماني لبحث الرأي العام في عام ألفين وتسعة، يرغب معظم الآباء والأمهات لأطفال تصل أعمارهم إلى اثني عشر عاماً في تربية الأبناء ليكونوا أناساً مؤدبين يتمتعون بسلوك حسن. كما وضعوا تأدية العمل بضمير على رأس قائمة الأهداف التربوية. تسعون في المائة منهم اعتبروا الثقافة متعددة الجوانب وقوة الشخصية من الأهداف الهامة جداً، بالإضافة إلى الاستعداد لمساعدة الآخرين والتسامح. كل هذه الأهداف جزء من التطلعات الطموعة، التي يتمناها الآباء والأمهات لأبنائهم.
وما هو دور تأثير القدوة على طريق تحقيق كل هذه الطموحات؟ كما ذكرت في البداية، يتعلم النشء والشباب من الصور، التي يرونها أمامهم عبر تصرفاتنا وسلوكنا كآباء وأمهات في الحياة اليومية. نعم المقصود هنا هو التعلم عن طريق سلوكياتنا أمام أبنائنا، الذين يُقلِّدون هذه السلوكيات.
من المفروض بالطبع أن أعلم طفلي قواعد السير في الشارع واحترام إشارات المرور. ولكن إذا قطعت الشارع أمام طفلي والإشارة حمراء، بحجة أنني أكبر منه سناً وأستطيع تقدير خطورة الوضع بشكل أفضل لأنني أكثر منه قدرة على حساب المسافات، ومعرفة ما إذا كانت السيارة المقبلة علينا بعيدة بما فيه الكفاية وبما يسمح بمرورنا بسلام، إذا رآني طفلي أفعل ذلك، فلا يمكنني توقع أن يحترم هو الإشارة لا في وجودي، وبالطبع ولا في غيابي!
يجب علينا مثلاً أن ننصح الأبناء بإظهار المزيد من الشجاعة في مواجهة مشاكل الحياة اليومية، ومنها التجرؤ على سؤال المارة عن الطريق في الشارع أو الاستفسار في متجر ما عن سلعة نبحث عنها. ولكن إذا رأى طفلي أنني أخشى من الاقتراب من الناس خوفاً من أن أتعرض لإحراج، فلن يتعلم ما أريد تشجعيه عليه.
وأيضاً إلقاء محاضرات طويلة عليه عن ضرورة تثقيف الذات وأهمية القراءة والهوايات المفيدة وومارسة الرياضة، كل هذا لا يجدي نفعاً إذا وجد الطفل أو الشاب أبويه لا يمسكان بكتاب أو جريدة أو عندما يراهما يقضيان سهرات طويلة أمام برامج تلفزيونية تافهة أو ألعاب الكومبيوتر.
التعامل مع الآخرين باحترام سواء كانوا يفكرون بطريقة مختلفة أو كانوا كباراً في السن أو كانوا ينحدرون من ثقافات أجنبية، هذا الاحترام يتعلمه الأبناء عندما يرون مدى الاحترام، الذي يتعامل به الأهل مع الناس.
وكيف يمكنني أن أصف لأبنائي الإحساس الجميل بأن يكسب الإنسان لقمة عيشه من عرق جبينه؟ كيف يمكنني نقل هذا الإحساس إذا كنت أنا نفسي لا أسعى إلى البحث عن عمل، بل وأُفضِّل أن أتلقى معونة اجتماعية، لأنها أسهل بكثير ولا تكلفني جهد العمل في وظيفة!

مخاطر من عالم وسائل الإعلام!
إنها بالتأكيد مهمتنا كأولياء أمور، نعم إنها مسؤوليتنا، التي لا يمكننا التهرب منها، أن ندعم أبناءنا، الذين نكن لهم كل الحب، هؤلاء النشء والشباب القادرين على تطوير انفسهم. وهم بحاجة إلى هذا الدعم خاصة بالنظر إلى الخطر المتزايد عليهم والنابع من عالم وسائل الإعلام، هذا العالم ذي التطور الرقمي السريع. إنه عالم يُكوِّن ابناؤنا من خلاله تصوراتهم الخاصة بهم ويختارون منه قدوتهم ونجومهم ومُثلهم العليا! وهناك بالطبع في هذا العالم قدوات حسنة، ولكن للأسف هناك أيضاً أمثلة سيئة ذات تأثير سلبي على أبنائنا!
العالم الإلكتروني لوسائل الإعلام يضم بجانب التلفزيون والراديو الشبكة العنكبوتية العملاقة ،الانترنت! في الماضي كان أباؤنا يجلسون إلى جانبنا ونحن نتابع برنامجاً مرئياً أو مسموعاً، وكانوا يُعلقون على ما نراه ونسمعه سواء بالاستحسان أو بالاستهجان ويوجهوننا عبر آرائهم هذه. أما اليوم فلدى أبنائنا الفرصة لدخول عالم الانترنت دون رقابة، وأن يحصلوا على كم هائل من المعلومات دون التأكد من صحتها أو مصداقيتها. وهكذا يجد الآباء أنفسهم أحياناً في صراع مرير بين ما يريدون تربية أبنائهم عليه وبين التصورات المتكونة لدى النشء من خلال الانترنت! فنرى مثلاً مقالاً على الشبكة العنكبوتية يتحدث عن الأسرة باعتبارها “موديلاً قديماً بالياً”، ويُقَدِّم هكذا وبكل بساطة بعض البدائل للمؤسسة الأسرية، دون أن يذكر مدى أهمية الأسرة للإنسان، والدور الذي تلعبه في حياته! وبهذا سرعان ما يُضْرَب عرض الحائط بقيم كثيرة غاية في الأهمية! ومتصفح الانترنت، الطفل أو الشاب، الذي لا يتمتع بعد بخيرة حياتية كافية يستهلك ما يُقَدَّم له هناك من معلومات!
وهنا أيضاً يكون سلوكنا الحسن أنجع وسيلة لحماية أبنائنا من فيضان التصورات الأخلاقية الآتية من وسائل الإعلام، من تصورات تصيب النشء أحياناً بحالة من الحيرة والبلبلة! وأُعطي مثالاً صغيراً على ذلك أن نكون نحن قدوة جميلة لأبنائنا في إظهار ثراء التعايش المشترك بين الأجيال، وأن يشهدوا العطاء المتبادل وتبادل الخبرات في إطار الأسرة الكبيرة، وأن يروا كيف نعتني أمامهم بأبائنا وأمهاتنا. نحن إن فعلنا ذلك، فنحن نضع ايضاً الأساس الراسخ في صدور أبنائنا لكي يتعلموا كيف يكون التعامل معنا في كبر سننا! إن أبناءنا يُخزِّنون في ذاكرتهم الصور، التي يرونا عليها عند رعايتنا لهم في فترة الطفولة والشباب، ويُقلِّدون هذه الصور!

نحن نريد أن نكون قدوة حسنة!
هناك عدد لا يُحصى من الأمثلة على مواقف نعيشها مع أبنائنا يومياً. إنها مواقف ينبغي أن نُحسِن الاستفادة منها لكي نتمكن من تقديم سند لأبنائنا يُعينهم في مستقبلهم عندما يطيرون بعيداً عن أحضاننا! وعلينا أن نكون صادقين في مواقفنا، وأن تكون تصرفاتنا نابعة عن قناعة، وألا نتخيل أن رفع أصابع التهديد في وجوه أحبائنا، فلذات أكبادنا، من شأنه أن يدفعهم إلى تبني تصرفات لا تُعجبهم ولا يرون فيها فائدة.
في واقع الأمر ينبغي ألا نرفع بتاتاً أصابع التهديد في وجوه أبنائنا. وعلينا الحذر من فرض الكثير من التعليمات عليهم، وأن نتذكر أن أفضل طريقة لتوصيل المفاهيم الأخلاقية والقيم هي تصرفاتنا وأن نكون نحن القدوة الحسنة. ولكن القيام بدور القدوة لا يعني فرض تصورات أخلاقية مفتعلة، بل أن نكون كما نحن على طبيعتنا! هذه هي أفضل وسيلة لإقناع النشء بما نريد تعليمه لهم، وبدون فرض أي قيود. ففي نهاية الأمر كل ما نريده هو أن يرى أبناؤنا طرقاً تجعل منهم أناساً أسوياء وسعداء!